يقدّم أحمد القروط في هذا التحليل قراءة عميقة لتحوّل خريطة التجارة في الشرق الأوسط، حيث تكشف الحرب على إيران عن إعادة تشكيل جذرية لمسارات النقل واللوجستيات. يوضح الكاتب أن الممر الذي كان يُفترض أن يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات وإسرائيل، يعاد بناؤه اليوم عبر الرياض والدوحة، في تحول يعكس تغير موازين القوة الاقتصادية في المنطقة.


ينشر هذا التحليل على موقع ميدل إيست آي، حيث يسلّط الضوء على إطلاق ممر شحن جديد تديره السعودية، يربط موانئها الشرقية بالأردن عبر شبكة سكك حديدية متطورة. يختصر هذا المسار زمن النقل إلى النصف مقارنة بالنقل البري، ويعيد إحياء فكرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، لكن وفق منطق جديد لا يضع إسرائيل في مركزه.


من أبوظبي إلى الرياض والدوحة


يعيد هذا التحول رسم الأدوار الإقليمية، حيث تنتقل نقطة الثقل من أبوظبي إلى الرياض والدوحة. يعتمد النموذج الجديد على استقبال البضائع الآسيوية في موانئ الخليج، ثم نقلها عبر شبكة السكك الحديدية السعودية نحو الأردن ومنه إلى البحر المتوسط.


يبرز التعاون السعودي القطري كعنصر محوري في هذا التغيير، مع اتفاقيات تشمل الربط البحري والبري وتطوير مراكز توزيع مشتركة. في المقابل، يتراجع دور الإمارات كمحور دخول رئيسي للبضائع، خاصة مع تأثرها بأزمة مضيق هرمز التي قيّدت حركة الملاحة بشكل كبير.


تؤدي هذه الأزمة إلى انخفاض حاد في حركة ناقلات النفط، ما يخلق اختناقات في موانئ رئيسية مثل جبل علي، ويجبر شركات الشحن العالمية على تعليق المرور عبر المضيق. بهذا، يفقد النموذج الإماراتي القائم على تدفق التجارة البحرية الحرة جزءًا من فعاليته.


نقاط خروج متعددة بدل الاعتماد الأحادي


لا يُقصي النموذج الجديد الإمارات، بل يعيد تموضعها في نهاية سلسلة الإمداد بدل بدايتها. تبرز استثماراتها في موانئ مثل العقبة وطرطوس واللاذقية كأمثلة على هذا التحول، حيث تدير عمليات لوجستية في نقاط الخروج نحو البحر المتوسط.


يخلق هذا الترتيب شبكة أكثر تنوعًا، حيث تتوزع مسارات التجارة بين عدة منافذ، بدل الاعتماد على نقطة واحدة مثل ميناء حيفا. يحدّ هذا التنوع من قدرة أي طرف على احتكار الممر أو تعطيله، ويمنح الدول المشاركة مرونة أكبر في إدارة تجارتها.


في الوقت نفسه، يواجه المسار الإسرائيلي تحديات كبيرة بسبب الحرب، حيث تتعرض مناطق مثل حيفا لهجمات متكررة، ما يضعف جدوى الاعتماد عليها كمركز رئيسي للتجارة الدولية. رغم استمرار تشغيل الميناء، يظل استخدامه محفوفًا بالمخاطر في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.


بنية تجارية جديدة تتجاوز التطبيع


يكشف التحليل أن الرؤية الأصلية للممر الاقتصادي اعتمدت على محور تطبيع عربي إسرائيلي، لكن الواقع الجديد يتجه نحو نموذج أكثر براغماتية وتنوعًا. لا يضمن هذا النموذج دورًا ثابتًا لأي دولة، بل يترك الباب مفتوحًا وفق الظروف السياسية والاقتصادية.


يعني ذلك أن مشاركة إسرائيل، إن حدثت، ستبقى محدودة وقابلة للتغيير، وليست شرطًا أساسيًا لنجاح الممر. يختلف هذا جذريًا عن التصور السابق الذي كان يفترض اعتمادًا هيكليًا على إسرائيل كنقطة عبور رئيسية نحو أوروبا.


يدفع هذا التحول نحو إعادة تعريف مفهوم الترابط الإقليمي، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها العامل الحاسم، بل أصبحت البنية التحتية والمرونة اللوجستية عناصر أساسية في تشكيل النفوذ. كما تسرّع أزمة هرمز من تطوير البدائل البرية، ما يعزز دور السعودية كمحور مركزي في هذه الشبكة الجديدة.


في النهاية، لا يموت مشروع الممر الاقتصادي، بل يعيد تشكيل نفسه وفق معطيات الواقع. يبتعد عن مسار واحد ثابت، ويتحول إلى منظومة مفتوحة متعددة المسارات، تتغير ملامحها مع تغير التوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/how-war-iran-rewriting-regional-trade-routes